النويري
426
نهاية الأرب في فنون الأدب
حتى انتهيت إلى المنبر فجلست ، فإذا عنده رهط جلوس يبكى بعضهم ، فجلست قليلا ثم غلبني ما أجد ، ثم أتيت الغلام فقلت : استأذن لعمر ، فدخل ثم خرج إلىّ ، فقال : قد ذكرتك له فصمت ، فولَّيت مدبرا ، فإذا الغلام يدعوني ، فقال : ادخل فقد أذن لك ، فدخلت فسلَّمت على رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم ، فإذا هو متّكئ على رمل « 1 » حصير قد أثّر في جنبه ، فقلت : أطلقت يا رسول اللَّه نساءك ؟ فرفع رأسه إلىّ وقال : « لا » فقلت : اللَّه أكبر ، لو رأيتنا يا رسول اللَّه ، وكنا معشر قريش قوما نغلب النساء ، فلما قدمنا المدينة وجدنا قوما تغلبهم نساؤهم ، فطفق نساؤنا يتعلَّمن من نسائهم ، فتغضّبت على امر أتى يوما فإذا هي تراجعني ، فأنكرت أن تراجعني ، فقالت : ما تنكر أن أراجعك ؟ فو اللَّه إنّ أزواج النبىّ صلى اللَّه عليه وسلم ليراجعنه وتهجره إحداهنّ اليوم إلى الليل ، فقلت : قد خاب من فعل ذلك منهنّ وخسر ، أفتأمن إحداهنّ أن يغضب اللَّه عليها لغضب رسوله صلى اللَّه عليه وسلم فإذا هي قد هلكت ، فتبسّم رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم ، فقلت : يا رسول اللَّه ، قد دخلت على حفصة فقلت : لا يغرّنك أن كانت جارتك هي أوسم منك وأحبّ إلى رسول اللَّه منك ، فتبسم أخرى . ومن رواية البخارىّ - قال عمر : فقصصت على رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم هذا الحديث ، فلما بلغت حديث أمّ سلمة تبسم رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم ، ولم يذكر التّبسم فيما قبلها . قال مسلم في حديثه : فقلت أستأنس « 2 » يا رسول اللَّه ؟ قال : « نعم » فجلست فرفعت رأسي في البيت ، فو اللَّه ما رأيت فيه شيئا يردّ البصر
--> « 1 » رمل حصير : نسجه ، ليس له وطاء سواه . « 2 » المراد بهذه الكلمة الاستئذان في الأنس والمحادثة ، كما يستفاد من الشرح .